أحمد بن علي القلقشندي
54
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
لا تكل الأمر في شيء من ذلك إلى غير ذي ذمّة بمفرده ، ولا إلى من ليس بذي خبرة لا يعلم مشقي التصرّف من مسعده . وقد جعلنا لك النظر على جميع النّواحي الجارية في ديواننا بالوجه البحريّ خاصة لتنظر في أمرها ، وتزجر أهل الجنايات بها ، وتفعل فيها كلّ ما يحمد به الأثر ، ويطيب بسماعه الخبر . فتقلَّد ما قلَّدت ، وقم حقّ القيام بما إليه ندبت ، واعمل فيه بتقوى اللَّه في سرّك وجهرك ، وقدّم الخوف من اللَّه على جميع ما تأتيه أو تذره من أمرك ، وتسلَّمه شاكرا لما أسديناه إليك ، متمسّكا بما أوجبناه عليك ؛ فإنّ الشكر يوجب مزيدك ، ويكثّر عديدك . وهذه نسخة بولاية النّستراويّة ( 1 ) ، وهي : من عادتنا في التدبير وشيمتنا ، وسنّتنا في السياسة وسيرتنا ، إسباغ المواهب والنّعم ، وتنقيل عبيدنا في مراتب الخدم ، استرشادا بأسلافنا الملوك واقتداء ، واستضاءة بأنوارهم المشرقة واهتداء . ولمّا كنت أيّها الأمير ممن عرفت بسالته ، واشتهرت شجاعته وصرامته ، واستحقّ أن يلحظ بعين الرّعاية ، وأن يشرّف بالارتضاء للتعويل عليه في ولاية ، رأينا - وباللَّه توفيقنا - استخدامك في ولاية الأعمال النسّتراويّة ، وخرج أمرنا إلى ديوان الإنشاء بكتب هذا السّجلّ بتقليدك ذلك ، وتضمينه ما تعتمد عليه ، وتنتهي إلى الممثّل لك فيه . فتقلَّد ما قلَّدته عاملا بتقوى اللَّه فيما تسرّه وتعلنه ، معتمدا فيها غاية ما يستطيعه المكلَّف ونهاية ما يمكنه ؛ فاللَّه تعالى يقول إرشادا للمؤمنين وتفهيما :
--> ( 1 ) نسترو : بالفتح ثم السكون وتاء مثناة من فوقها وراء مضمومة وواو ساكنة : جزيرة بين دمياط والإسكندرية . ويرد الاسم أحيانا « نستروة » . ( معجم البلدان : 5 / 284 وسيرة الملك المنصور لابن عبد الظاهر : ص 35 ) .